حسن محمد تقي الجواهري
17
الربا فقهياً واقتصادياً
بعض من قال به ( 1 ) واستبعد ذلك الفهم لسببين : الأول : أنه غير معقول بتاتا أن يكون الربا بالمعنى المعروف به منذ أقدم عصور التاريخ وهو القرض بزيادة مشروطة منذ ابتداء العقد ، والذي كان متعاملا به عند ظهور الإسلام ، وهو الذي كافحته الشرائع القديمة سماوية ووضعية ، غير معقول أن يكون هذا الربا غير محرم بالقرآن الكريم . الثاني : أنه من المستبعد أكثر وأكثر ، بل مما يكاد يحيله العقل أن يكون المرابون بالربا الجاهلي ، وهم على ما نعتوه من القسوة والشره البالغين من التسامح والرحمة والرفق بحيث لا يقتضون على الدين في مقابل الأجل الأول مما يصوره ظاهر العبارة المأثورة في بيان الربا الجاهلي . وفيما أرى أن الاستبعاد الثاني لم يكن واردا فضلا عن كونه مما يكاد أن يحيله العقل ، وذلك إذا نظرنا إلى صفة المرابين التي ذكروها لهم من القسوة والشره ، فهم بعملهم من إعطاء الدين من دون فائدة في الأجل الأول ، إنما يريدون أن يزيدوا من عملائهم الذين يرتبطون معهم ويقعون في شراكهم آخر الأمر . فالمرابي بنظره العارف بالأمور يدرك أن هذا المدين لا يمكنه سد الدين في أجله ، فلذلك يقدم على إقراضه بدون فائدة في الأجل الأول ، وبعد انقضاء الأجل يأتيه المرابي ويضع شروطه على المدين بأضعاف مبلغ الدين ، ونتيجة لظروف المدين يقبل هذا الأضعاف من أجل الأجل الثاني ، وبذلك يقع في شراكهم ، إذ من البعيد عدم تمكن المدين من إيفاء الدين في الأجل الأول وتمكنه من إيفاء الدين بعد الأضعاف ، فإذا هذا العمل من المرابين لم يكن بعيدا ونحن بكلامنا هذا لا نريد أن نقرر أن هذا العمل كان سائدا ومعروفا آنذاك .
--> ( 1 ) نظرية الربا المحرم ص 32 .